تربية الحج

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سألني.. وقد استرق النظر إلى ورقة بين يدي .. عنوانها "الحج والتربية":

وما علاقة التربية بالحج ؟!..

ثم أردف قائلاً:

هكذا هم أهل التربية.. يُحمّلون الأمور ما لا تحتمل، ويتحدثون فيما لا يعنيهم، ويعتقدون أنهم معنيون بكل ما يحدث في الكون، ومسئولون عن كل ناحية من نواحي الحياة.

أما أنا .. فلا تسألني عن شعوري وموقفي وأنا أستقبل هذه القذائف اللسانية العوراء.. فقد احترت –برهة- على أي محمل يمكن أن أحمل هذا الكلام.. ياتُرىا.. أمازحٌ هو فأجاريه.. أم مقتنع به مؤمن به فأحاوره.. أم مجادل مراوغ فأقول له "سلاما"..

استعدت قواي العقلية والنفسية.. ثم قلت:

لن أتحدث عن علاقة التربية بالمجتمع.. أو شمولها لنواحي الحياة المختلفة..

ولن أسرد الأدلة الشرعية والعقلية والحسية والواقعية على أهمية التربية وعظيم قدرها وتأكيد دين الإسلام عليها..

فهذا حديث يطول.. ويصعب الخوض في غماره في دقائق معدودة..

لكنني .. سأذكر –وباختصار شديد- أهم الملامح التربوية في شعيرة الحج –محور الحوار- يتضح من خلالها لكل ذي لب منصف ارتكاز هذه الشعيرة العظيمة في كثير من تفاصيلها ومقاصدها على التربية الدينية والخلقية والبدنية والنفسية والاجتماعية..

فمثلاً:

- توحيد القصد والطلب "توحيد الألوهية" هو مقصود الحج الأعظم –كما هي سائر العبادات-، فمناسك الحج وأعماله وأقواله ومواقفه كلها تقوم على أساس التوحيد والتعبد لله وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه.. إنها تربية للقلب واللسان والجوارح على الإخلاص والوحدانية.

- وحدة الزمان والمكان واللباس والأقوال والأعمال رغم تباين الألوان والأجناس واللغات والبلدان والأوضاع الاجتماعية والمنازل الدنيوية.. كل هذا يربينا على وحدة الصف على أساس العقيدة .. وعدم التفاخر بشيء من أمور الدنيا.. وتذكير الناس بأصلهم وأنهم أبناء رجل واحد –عليه السلام- وأن الكريم الفاضل عند الله تعالى هو التقي.. وفيه تطهير للنفس من درن الكبر والخيلاء والترفع على خلق الله..

- لا يخلو الحج من مشقة وكلفة بدنية ومالية.. وفي هذا تربية للنفس على قيمة الصبر والتحمل وبذل الجهد واحتساب الأجر عند الله.. ابتغاء ما عنده.. وفيه أيضاً اختبار لصدق إيمان الإنسان وتسليمه لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم..

- في الحج تزكية للنفس وتربية لها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق.. ويتضح ذلك من خلال إطعام الطعام (الهدي الواجب والتطوع) وبذل السلام وطيب الكلام.. ومراعاة آداب الصحبة والأخوة.. والتأدب بآداب السفر والاجتماع.. والتعود على العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين..

- شعائر الحج وأعماله لا بد أن تسير وفق ما شرعه الله ورسوله.. فلا ابتداع ولا تغيير من غير دليل.. وقد حد الشارع لهذه الأعمال أوقاتاً وأماكن محددة لا تصح في غيرها.. فلو وقف رجل يوم التاسع في مزدلفة لم يصح حجه.. ولو رمى جمرة العقبة يوم التروية لأصبح حجه لغواً.. ولو وقف بعرفة بعد طلوع شمس يوم النحر لقلنا له يجب عليك أن تأتي بحجة بدل هذه الحجة.. وهكذا..

وفي هذا تربية للنفس على التسليم والانقياد لأوامر الشارع الحكيم.. والالتزام بحدود الشرع وأحكامه.. وعدم التعبد لله تعالى بهوى النفس ورغباتها وآراء الرجال وأقوالها.. وهو جزء من معنى الإسلام.. "الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة ..

- اختص الله تعالى الحج من بين سائر العبادات بأن من شرع وبدأ فيه وجب عليه إتمامه وحَرُم عليه قطعه ولو كان نفلاً.. (( وأتموا الحج والعمرة لله )).. وفي هذا تربية للنفس على خلق "الإكمال والإتمام والإتقان" في العمل.. فإذا شرعت في قراءة كتاب مثلاً أو عملٍ مفيد أو مشروعٍ وليد أو ما شابه ذلك فإنه ينبغي لك أن تتمه ولا تتوقف حتى تكمله..

سمعت مرة أحد المربين يقول: شرعت في قراءة كتاب في علم المنطق يفوق عدد صفحاته الألف.. فتبين لي بعد قراءة الفصول الأولى منه أنني لن أستفيد منه ولن أخرج بفائدة تذكر.. لكنني أرغمت نفسي على إكماله حتى الغلاف الأخير حتى أعود نفسي على خلق "الإكمال والإتمام".

 

هذا –يا صاح- فيض من غيض.. وقطرة من بحر.. وفيه غنية للبيب.. وكفاية للأريب..

كنت أسرد هذه الإشارات السريعة والرسائل القصيرة وصاحبي يستمع بإنصات.. وكأنه يستحثني على ذكر المزيد حتى يحصل على ما يريد..

ولم يمنعني من ذلك سوى شعوري أن صاحبي ضمن الاحتمال الأول من الاحتمالات الثلاثة التي عرضت أمامي لحظة سماعي لكلامه.. فحمدت الله أن حماه من احتمالات السوء.

خاتمة:

ورد في الحديث (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )).

 

عبدالعزيز بن محمد التويجري

مشرف تربوي - الرياض